بيان إلى الشعب التونسي
إنّني أتوجّه إليكم مخاطبا كلّ الشعب التونسي نساءا ورجالا، كهولا وشبابا ِ، شيوخا وأطفالا، في تونس وخارج حدود هذا الوطن العزيز.
أتوجّه إليكم جميعا غير مقتصر على النّاخبات والنّاخبين، فالأمر لا يتعلق ببيان إنتخابي مألوف، بل ببيان موجّه إليكم جميعا والأمر هو أرقى وأعمق من أن يكون إختيارا لإسم ووضع ورقة إقتراع في صندوق ليتمّ بعد ذلك الفرز والحساب. إنّ الفرز الذي لا أشكّ في أنّكم تتوقون إليه هو الفرز التاريخي، الفرز الذي يتجاوز عمليّات الجمع أو القسمة والطّرح وإن كان هناك جمع فهو جمع للإرادات الصّادقة، وإن كانت هناك قسمة فهي قسمة عادلة لا للسلطة بل لإمكانياتنا وثرواتنا، ولعرقنا ودمائنا، وإن كان هناك طرح، فهو لمن يريد تقسيمنا ولمن يريد أن نبقى ننزف الدّم ونعتصر الألم.


يا حماة الوطن، يا من آثروا الموت من أجل الحياة،


إنّ الأوطان ليست فقط أرضا نفترشها أو سماءا نلتحفها، إنّ الوطن هو الأرض والبحر والسماء، ولكنّه أيضا الحقّ في الحريّة وفي الكرامة، وحريّة المواطن هي التي تصنع حريّة الأوطان، ثمّ إنّ كرامة الوطن هي من كرامة مواطنيه ومواطناته . ولم يكن من قبيل الصدفة على الإطلاق أن يكون الشعار الذي رفعه التونسيّون والتونسيّات في ديسمبر 2010 هو شغل، حريّة، كرامة وطنيّة ، ولم يكن من قبيل الصدفة أيضا أن إنطلقت الحناجر  في كلّ مكان بصرخة واحدة : الشعب يريد .وقد ردّدت الشعار نفسه شعوب أخرى في كلّ مكان تقريبا في العالم .


فما قمتم به يا شعبنا العظيم، لم يكن مجرّد فوران، أو مجرّد إنتفاضة، بل ما قمتم به كان إرتفاعا شاهقا غير مسبوق في التاريخ، وكثيرون في العالم لم يجدوا حتّى المصطلحات لتعريف هذا الذي حدث في تونس فزلزل العالم، بل أكثر من ذلك تشقّقـــت و إنهارت عديد المفاهيم الجامدة التي إستقرّت في الفكر السياسي في العالم .


سيبقى شعار الشعب يريد. شعارا عابرا للتاريخ، لأنّه هو الأساس الذي سيصنع تاريخا جديدا لا في تونس فحسب، بل في كلّ مكان .


يا شعب تونس العظيم،


إنّ عظمتك لاتقاس بالأرقام وبالتصنيفات أو بالنسب، إنّ عظمتك هي من إرادتك التي لن تلين في صنع تاريخ جديد يقوم على إختيارك الحرّ المعبّر عمّا تريد وإنّني على يقين أنّك ستحقّق ما تريد .


يا أبناء هذا الشعب العظيم في كل مكان،


إنّنا لا نعيش في الضباب ولا نلهث وراء السّراب بل ننطلق فقط من إيماننا العميق، وهو إيمان مشترك بيننا، في صنع تاريخ جديد ترتقي فيه إرادة الشعب إلى مستوى صنع القرار.


لذلك لن يكون الإتصال بكم حملة لبيع الأوهام ولا للوعود الزّائفة أو الأحلام الكاذبة، لن تكون حملة بالمعنى المعهود الذي لا أراكم إلاّ قد سئمتموه، بل صار الكثير منكم لايعبأ به أصلا لأنّه لايهمّه أو يعنيه، فالخيبات لم تتبعها إلاّ الخيبات والآمال حوّلوها إلى يأس وإحباط .


إنّنا نريد أن نبني معا جسرا جديدا نعبر به من اليأس إلى الأمل ومن الإحباط إلى العمل، سنركب قاربا واحدا نشق به من ضفّة الإحباط إلى ضفّة جديدة نستنشق فيها العدل والحريّة والكرامة معا .


قد تكون الأمواج عاتية والعقبات كثيرة ولكنّ عزمنا وإصرارنا وإيماننا المشترك سيجعلنا نتجاوزها  بكل ثقة في النفس مهما كانت الأنواء ومهما كان عدد المتربّصين والأعداء .


وما نيل المطالب بالتمنّي ـــــــــــ ولكن تؤخذ الدنيا غلابا


لن تكون الغلبة بطبيعة الحال إلاّ بالقانون ولكن القانون يجب أن يكون معبّرا تعبيرا صادقا وأمينا عن الإرادة العامّة، وليس تعبيرا عن إرادة هي في الظّاهر فقط عامّة في ظلّ تحالفات تتقلّب كلّ يوم بل أحيانا تتغيّر بين الساعة والأخرى، وفي ظلّ أزمات يتمّ إفتعالها لصرف النّظر عن المطالب الحقيقيّة والمشروعة للشعب التونسي، بل إنّ الأزمات وخطاب الأزمات تحوّل إلى وسيلة من وسائل الحكم .


يا أبناء شعبنا في كل مكان،


إنّ السبيل للتعبير عن إرادتكم الحقيقيّة هو إعادة البناء من القاعدة، من المحليّ نحو المركز، حتّى تكون القوانين والتشريعات كلّها على إختلاف أصنافها ودرجاتها معبّرة عن إرادتكم، حاملة لآمالكم، صدى لمطالبكم وتطلعاتكم، متّسقة مع الإنفجار الثوري الذي إنطلق من المعتمديات والقرى قبل أن يبلغ ذروته في المركز.


إنّ التأسيس الجديد، تحت شعار الشعب يريد ينطلق من قراءة  لهذه المرحلة التّاريخيّة  لا في تونس فحسب، بل في العالم بأسره . فقد دخلت الإنسانيّة مرحلة جديدة من تاريخها لم يعد بالإمكان تنظيمها بمفاهيم بالية تحوّلت بفعل هذا التطوّر إلى عقبة أمام فكر سياسي جديد صنعته الشعوب وتجاهله الكثيرون ممّن لازالوا يعتقدون أنّهم صفوة الصّفوة ونخبة النخبة التي تحدّد بمفردها أقوم المسالك لإدارة شؤون الممالك، فالمسلك فتحه الشعب التونسي، والتونسيّات والتونسيّون ليسوا رعيّة تنتظر دون جدوى حاكما يقضي بالسويّة أو يسوق بعصاه ما يتصوّر أنّهم رعيّة وقطيع . ومعالم الطريق الجديدة التي شقّها الشعب التونسي ليست بالمستعصية على الفهم إلاّ لمن أراد ألاّ يفهم أصلا أو أراد أن يفهم طبق مصالحه ولم يتخلّص من طموحه الشخصي وأطماعه وهواه.


فالتأسيس الجديد المجسّد لشعار الشعب يريد يقتضي أن يكون البناء قاعديّا وذلك بإنشاء مجالس محليّة في كلّ معتمديّة من معتمديّات الجمهوريّة وعددها خمس وستون ومائتان (265) تتركّب من نائب عن كلّ عمادة يتمّ إختياره بطريقة الإقتراع على الأفراد، بعد أن يكون قد قدّم ترشحه مصحوبا بعدد من التزكيات. ولكن لا يجب أن تكون التزكية مجرّد توقيع على مطلب يتقدّم به المترشّـــح أو المترشحة بل توقيعا على البرنامج الذي سيعمل على تحقيقه من أعلن عن عزمه في الترشّح ولا يقبل الترشح إلاّ إذا كانت التزكيـــــات صادرة بالتناصف عن الناخبين الذكور والنّاخبات الإناث، كما يجب أن تكون صادرة في حدود الربع عمّن لم يتجاوز سنّــــهم الخمــــس وثلاثين سنة كما سيوضح ذلك القانون الإنتخابي حال تعديله والأخذ بمثل هذا الإختيار، كما يجب أن يكون حاملو الإعاقة ممثلين حكما كأعضاء كاملي العضويّة لا عن طريق الإقتراع المباشر من قبل الناخبين بل عن طريق الجمعيّات ذات العلاقة التي تقوم بإختيار أحـــــد أعضاءها ليكون عضوا في هذا المجلس المحلي إضافة إلى مديري الإدارات المحليّة إن وجدت الذين يكون لهم الحق في العضويّة ولكن دون الحق في التصويت وإلى ممثلي المجتمع المدني دون أن يكون لهم أيضا حقّ المشاركة إلاّ بإبداء الرّأي وتقديم المقترحات.


ويتّجه التّأكيد في هذا المستوى على أنّ وكالة النّائب تبقى قابلة للسحب، ويتولى القانون الإنتخابي تحديد شروط سحب الوكالة من نائب أو أكثر إذا إرتأى عدد محدد من الناخبين والناخبات أنّه لم يبذل الجهد الكافي لتحقيق ما تمّ الإتفاق عليه عند عمليّة التزكية .


ويتولى هذا المجلس المحلّي وضع مشروع التنميّة المحليّة بناء على مطالب السكان المعنيين عموما وعلى ما تمّ الإتفاق عليه بين المترشّح من جهة والمزكّين له عند تقديمه للترشّح من جهة أخرى.


ومن المحلّي تنبثق  مجالس جهويّة في كل ولاية بحساب نائب عن كلّ مجلس محليّ يتمّ الإختيار عليه بالقرعة لمدّة محدّدة  ليتمّ تعويضه بالقرعة أيضا حتّى تكون هناك رقابة داخليّة إلى جانب رقابة السكان والناخبين على وجه الخصوص عن طريق آليّة  سحب الوكالة.


كما يتركب المجلس الجهوي من مديري الإدارات الجهويّة كأعضاء ولكن دون أن يكون لهم الحق في التصويت لأنّهم غير منتخبين . فهم مطالبون بتقديم مالديهم من خبرات في خدمة نواب الجهة، وعبر هؤلاء النواب، كافة مواطنيها.


وحتّى يجد شعار الشعب يريد التجسيد الكامل له، يختار كل مجلس محليّ أحد أعضائه لتمثيله في المجلس التشريعي الوطني . لا مجال في هذا المستوى للتداول في التمثيل، ولكن يجب أن تبقى الوكالة دائما قابلة للسحب، فمن لم يعد يحظى بالثقة وإن كان عضوا في السلطة التشريعيّة الوطنيّة يمكن للنّاخبين، كما يجب أن يوضح ذلك القانون الإنتخابي، أن يسحبوا الثقة ممّن منحوه إيّاها وتبيّن لهم أنّه لم يكن في مستوى الأمانة التي حمّلوه مسؤوليتها.


وإلى جانب النّواب المنتخبين على هذا النّحو، يجب تخصيص عدد من المقاعد  للتونسيين بالخارج يتم إنتخابهم في كلّ دائرة إنتخابيّة بطريقة الإقتراع على القائمات المفتوحة، فإذا كان عدد المقاعد أربعة على سبيل المثال، لا يمكن للناخب أن يختار أكثر من هذا العدد حتى وإن كانت القائمة تحتوي على عشرات المترشحين والمترشحات، ووكالة هؤلاء هي أيضا وكالة قابلة للفسخ،  يتولى  القانون الإنتخابي بيان إجراءات سحبها أو فسخها .


بمثل هذا البناء الجديد يجد شعارالشعب يريد طريقه إلى التجسيد الكامل والحقيقي له وتبنى أسس الثقة بين الحكام والمحكومين


يا أبناء هذا الوطن العزيز،


يردّد دائما أنّ إختصاصات رئيس الجمهوريّة محدودة، ولكن ينسى الكثيرون أو يتناسون أنّ لرئيس الدّولة الحــــق في المبــــــادرة التّشريعيّة، ولمبادراته أولويّة النّظر، فله الحق في أن يتقدم بمبادرات تشريعيّة في كلّ مجالات القانــون وله الحـــق في ردّ مشــــروع القانون لتلاوة جديدة، وله كذلك على وجه الخصوص الحقّ في المبادرة بتنقيح الدستور .


وهو قبل كل هذا رئيس للدولة، رمز لوحدتها وضامن لإستقلالها واستمراريتها، وهو رئيس لمجلس الأمن القومي، والأمن القومي لا يجب أن يفهم بمعناه الضيّق المألوف . فالفلاحة والطاقة، والتربية والتعليم، والصحّة والبيئة والضمان الإجتماعي وغيرها من القطاعات لا تقلّ أهميّة عن الأمن بمفهومه الضيّق أو عن الشؤون الخارجيّة والدّفاع.


لذلك لاشيء يمنع، وقبل إرساء التأسيس الجديد، من المبادرات التي تستجيب لمطالب أغلبيّة التونسيين والتونسيات حتى تستعيد الدولة دورهــــــا الإجتماعي في كلّ القطاعات إنطلاقا من الصحّة والتعليم والضمان الإجتماعي وصولا إلى كافة القطاعات الأخرى من الطفولة والشـــباب والمرأة والمسنين والمتقاعدين والمهاجرين. و المرافق العموميّة على وجه الإجمال لا يجب أن تخضع لمعايير الرّبح ومقاييس الســـوق والتجارة، لأنّ حقوق المواطن،بل وحقوق الإنسان ليست بضاعة أو أسهما تتقاذفها قوانين العرض والطّلب.


أمّا على صعيد الشؤون الخارجيّة، فإنّ مصيرنا سيبقى مشتركا مع أشقائنا وخاصّة في المغرب العربي، فما يؤذيهم يؤذينا، ونجاح كلّ واحد منّا هو نجاح لنا جميعا وقد آن الأوان لننطلق معا في بناء تاريخ جديد فلا حلّ لنا جميعا إلاّ إذا تخلصنا من عوامل التفرقــــــــة والإنقسام .


كما أنّ تونس التي تتوسّط تقريبا البحر المتوسّط في شمال القارّة الإفريقيّة لن تتنكّر لعلاقاتها مع الشّمال، ولا لعلاقاتهـــــــــا مع دول الجنوب. فلا أحد يستطيع أن يغيّر الجغرافيا، ولكن يمكن للشعوب تغيير مسار التاريخ، وأفضل من المعاهدات الدّوليّة هو التفاهم المتبادل بين الأمم والشّعوب.


ولا حق لأحد منّا أن ينسى، لا في النهاية، بل قبل كلّ إفتتاح وكلّ بداية، قوّاتنا المسلّحة وقوّات الأمن الدّاخلي والديوانة الذيــــــــــن واجهوا الإرهاب وكلّ أنواع الجرائم بالحديد والنّار . وسقط العشرات منهم شهداء، بل إرتفعت أرواحهم إلى الرّفيق الأعلى في السّماوات العلى، فواجب على كلّ واحد منّا أن يقف لهم تحيّة وإكبارا وأن يوفّر لهم ما يحتاجون إليها من أسباب القوّة ومن الرّعاية الإجتماعيّة الكاملة لهم ولذويهم.


يا أبناء هذا الوطن في كلّ مكان،


يا من تخطّوا كل الصّعاب، بل آثروا الموت من أجل الحياة، لننطلق معا على بركة الله تعالى الذي نعبده وحده ولانستعيـــــــــن سواه لننطلق بإرادة خالصة صادقة ثابتة في صنع تاريخ جديد تحت الشعار الذي إخترتموه بأنفسكم


الشّعب يريد


قيس سعيّد